Samir Kassir
       سـمـيـر قـصـيـر

النشـاطـات         الـمـقـالات

...وسمير لم يكن مجرّد صحافياً أو كاتباً أو أستاذاً جامعياً أو ناشراً أو مؤرِّخاً أو ناقداً فنيّاً أو مناضلا سياسياً. كان جميع هؤلاء على السواء. والى جانب ذلك كان عاشقاً، وكان عاشقاً بامتياز. عاشقاً للحياة. لتلاوينها وتناقضاتها، لصعابها وانتصاراتها، لحلوها ومرِّها، وخاصةً لتغييرها.

كيف لا وهو الدائم التفاؤل، المُجترح للأفكار والداعي لنفض الغبار عمَّا علق بالأذهان من تصوّرات يحسبها المرء حقائق لا رادّ لها، فإذا به يهزأ منها، ويعرِّيها بسخريته المعهودة ونقده اللاذع، ويعيد تشكيلها رافضاً الاستسلام للاستسهال، ومُعيداً في كلِّ مرَّة الاعتبار للعقل، للنقد العلمي الواقعي؛ ويتفوَّق في ذلك.

لم تكن سنواته القليلة ولكن الغنية الا شاهداً على ذلك. فهذه الروح الثائرة الممزوجة بالذكاء المتقدّ وحضور الذهن والشجاعة القصوى لم تدرِّجه، وإنما خلقته هكذا دفعة واحدة. فهو لم يتقدَّم في الصحافة وإنما بدأ فيها كبيراً، إسماً لامعاً تسمعَه فتدرك فوراً أنك أمام قلمٍ قوي قاسٍ لا يتردّد في سرد الحقائق أو نقدها أو الإعمال تشريحاً فيها؛ وكلُّ ذلك من أجل مشروعه الكبير وحلمه الكبير بالتغيير.

كتب باكراً بالفرنسية، فعرفناه كاتباً محترماً في واحدة من أكبر الصحف في فرنسا والعالم، جريدة لوموند، قبل أن يتولّى الإشراف على إصدار "لوموند ديبلوماتيك" –طبعة الشرق الأوسط. وقبل أن ينتقل الى "النهار" ليصنع من عاموده الأسبوعي عزّاً إضافياً ونكهةً مميّزةً لهذه الصحيفة الرائدة.

لم يبدأ كغيره مغموراً في الكتابة السياسية. لقد بدأ رائداً في كتابة "السياسة"، الى درجة أصبحت "نهار" يوم الجمعة باعتراف الجميع "نهار سمير". الجميع يتلهَّف لقراءة موقفه ورأيه ونقده وجرأته. الأصدقاء والأخصام. وهنا تكمن أهميّة هذا الرجل وأخلاقيته. ففي خضَّم مقارعته الفكر المقابل ونقده وتفكيكه ومن ثم تعريته، لم يكن يساوم على مبادئ الحريّة والديمقراطية وحقّ الاختلاف. وفي الوقت عينه لم يكن يتردّد في توجيه نقده، وأحياناً بقساوة أكبر، الى الأصدقاء والى رفاق الطريق. فاكتسب بذلك مصداقية رفيعة ومكانة أخلاقية هي أقرب الى "الرسولية السياسية" غير الملوَّثة بالعماء الأيديولوجي أو بالمصلحة الشخصية أو بالتسلّط القامع للآخر المختلف. من غير أن ننسى جرأته في طرح مسألة الوجود السوري والهيمنة على القرار اللبناني ومصادرته.

و"رسوليته" تلك مارسها أيضاً في التعليم؛ حين جعل من "واجبه" المهني في التلقين الجامعي لأجيال الشباب، واجب آخر هو نشر الوعي الديمقراطي وثقافة الحوار وتفهّم الآخر وتقبّله ونشر ثقافة المقاومة. مقاومة الأفكار المطلقة السائدة وإخضاعها لمبضع التشريح ونزع القداسة عنها. فلا الأيديولوجيات أصناماً للعبادة والترديد ، ولا الأديان مقدسات غير قابلة للتفكّر، ولا الأفكار السياسية والاجتماعية بمنأى عن النقض والتطوير والتغيير. لقد لقَّن أصول هذه "المقاومة" الى أجيال من الشباب، فكان رائداً شجاعاً في التعبير عمَّا يجب أن يكون عليه هؤلاء، كيف عليهم أن يمارسوا دورهم ويختاروا أساليب حياتهم دون تهوّر ولكن أيضاً دون وصايات واستكانة الى السائد من الأفكار والتقاليد والعادات والقيود المتوارَثة المختلفة.

لقد كان، قدوة في فهم الاختلاف والتعامل معه دون إفساد القضية ودون الانزلاق الى اصطفافات بدائية غير جديرة، من غير المساومة على أفكاره التي كان ينشرها بدأب وشغف ونشاط. وهي حبّ المعرفة والثقافة والفن والثورة والسياسة، وحبّ الوطن والتضحية في سبيله (حتى الاستشهاد) والافتخار به، من دون شوفينية، ولكن الى حدود اعتبار لبنان، بالرغم من حجمه الجغرافي وقدراته، "مسؤولا"، في مكان ما، عن جيرانه العرب. مسؤولا عن تعميم ما اعتبره "مكتسبات" ديمقراطية وثقافية واجتماعية ونهضوية على باقي الشعوب العربية البريئة من ممارسات حكّامها والخاضعة، في ظلم مطلق، لجور هؤلاء الحكّام.

هنا أيضاً تبرز تعدّدية هذا الرجل وغناه المعرفي ووعيه السياسي.

هذه الرسولية تجلّت أيضاً في الكتابة. فإلى جانب تجربته الرائدة في إطلاق المجلة الانيقة "l’orient-express" بالفرنسية، واسمها يدلّ على المضمون، أصدر العديد من الكتب والمؤلفات بالعربية والفرنسية وآخرها كتابان لا أبالغ في القول أنهما ،في معنى من المعاني، سمير قصير نفسه أو أنه قد سكب من روحه فيهما. الأول هو "تاريخ بيروت" وهو عمل موسوعي تأريخي كبير، يروي فيه سمير، بحبّ ولكن أيضاً بمنهج علمي وأكاديمي، قصة هذه العاصمة المثيرة، فلا يكتفِ بالتأريخ بل يلقي الضوء على ناسها، على أحوالهم وأفكارهم، وعلى تطوّرهم على مرّ السنين. وفي ذلك تعبيرٌ عن شخصية سمير المهمومة أولا وأخيراً بالانسان.

أما الكتاب الآخير فهو "تأملات في شقاء العرب" المترجم الأمين لهذا العقل النقدي والطليعي، الباحث دوماً عمّا يعيد الى العرب نهضتهم والى ما يعيدهم الى خريطة الحضارة، بعيداً من عقَد الدونية أو الاستعلاء، كلتا الآفتين اللواتي لم تنتجا الا تهميشاً وتخلّفاً وتبعية..

وكان الى جانب الكتابة السياسية، يجد بشكل مذهل، الوقت لمتابعة وللكتابة عن الفن والأدب والسينما والموسيقى، وهي هواياته التي حرص على التمسّك بها، فعرفناه ناقداً ومتابعاً لشؤون الثقافة في عاموده الآخر، كلّ ثلاثاء، ما أكّد على طبيعته المتعدّدة والمتوثّبة حبّاً بالحياة.

ولم يكتف. أسَّس داراً مرموقة للنشر ، دار الليالي، فكانت للفنون من رسم وتصوير الحصّة الكبرى. وكانت الكتب الأنيقة الفخمة، وكانت اللوحات التصويرية النادرة، من ملصقات "رحلات شرقية" الى "قصة حب" وهي مجموعة ملصقات أفلام السينما المصرية القديمة بحلّة فاخرة وجذّابة.

حتى لأستطيع القول ان سمير قصير، بحياته القصيرة المتوقفة قسراً وغدراً، لم يكن ليدع دقيقة واحدة تنساب هدراً من بين أصابعه.

سمير قصير العربي

لقد شدّه همّه النهضوي الى إيلاء القضية الفلسطينية اهتماماً غير عادي. وهو المناضل اليومي الذي لا يفرّق ما بين الفكر والواقع. كنا نراه في كتاباته المدوّية وفي صرخاته المدوّية في الشارع. ولطالما كان المبادر الى إطلاق التظاهرات والاعتصامات في بيروت وباريس تأييداً للقضية الفلسطينية أو استنكاراً لما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من العدوان الاسرائيلي المستمرّ أو من ظلم ذوي القربى العرب الذين بدورهم لم يتوانوا عن بلّ أصابعهم في مأساة فلسطين. وكم قرأناه مندّداً بأوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان، داعياً لإعطاء اللاجئين الحقّ في الحياة الكريمة اللائقة بعيداً عن التجاذبات السياسية التي بسببها لطالما انتهكت حقوق الانسان. ولكنه، كعادته، لطالما كان يفاجأنا بموقف من هنا أو من هناك يذكّرنا أن لا يجب أن ننزلق الى ما ينتظر منّا الأعداء. فقد كتب بشجاعة وجرأة ضد السائد المهلّل للعمليات الاستشهادية داخل اسرائيل، وانتقدها وبيَّن خطورتها وأحيانا تماهيها مع الجلاد الاسرائيلي في استهداف المدنيين العزَّل بوحشية وسادية. ولطالما كتب عن ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت وعن أهمية النضال من أجل الحياة وفي سبيلها لا من أجل الاستشهاد والعالم الآخر.

الى الاهتمام بالشعب السوري وضرورة تحرّره من "كابوس البعث". فكتب طويلا عن أحوال الشعب الشقيق، بجرأة نادرة، وقارَب مشاكله وتطلعاته للخلاص من ديكتاتورية كاريكاتورية لا تستقوِ الا على شعبها المسكين الأعزل، فيما لا تتوانَ هي عن الانصياع للأوامر والضغوط الغربية، على حدّ تكرار قوله، هازءاً ولكن أيضاً مُحدِّداً بدقة مكمن الداء والدواء.

لقد أسهم سمير قصير في بلورة وعي لبناني لمأساة الشعب السوري الضحية الأخرى وشريك اللبنانيين في المعاناة من الجلاد المسيطر على الحكم في سوريا. وغالباً ما أعاد تصويب البوصلة بانتقاده الشديد لبعض مظاهر العنصرية التي تفلّتت أحياناً من بعض الغاضبين خلال انتفاضة الاستقلال. وكلُّنا يتذكّر وقوفه على "منبر" ساحة الحريّة، ذات مساء، ليقرأ على مسامع المحتشدين، بعناد وصلابة، رسالة المثقفين السوريين المتضامنين مع الانتفاضة. ما شكّل اعتذاراً من الشعب اللبناني الى شقيقه السوري المغلوب هو الآخر على أمره.

سمير قصير في اليسار والانتفاضة

الا أن محطتان أساسيتان طبعا شخصية سمير قصير في سنواته الأخيرة.

المحطة الأولى هي انتماؤه الى "اليسار الديمقراطي"، لا بل مشاركته النشيطة والفاعلة في تأسيس هذه الحركة وإطلاقها، في انحياز كامل ومن غير تردّد للعمل السياسي المباشر والى موقع مميّز فيه أراده منبراً يعبّر منه وفيه عن أحلامه وطموحاته في وطن حرّ ومستقل، عربي وديمقراطي وعلماني. وقد ساهم في "تعميم" أحلامه ومشاطرة آخرين بها في موقع يسعى لتحقيقها بواقعية ومن دون أوهام طوباوية، ودون التقوقع في عزلة "طهرانية مزيفة" ، وخصوصاً دون الانزلاق الى مواقع ملتبسة وغير واضحة، تحرف المسار وتضلّل الناس وتأخذهم دون أن يدروا الى الضفة الأخرى.

لقد كان سمير قيادياً في حركة اليسار وكان لصولاته وجولاته الأثر الكبير في رسم سياسة هذه الحركة الفتية وتحالفاتها وأشكال نضالها.

وكعادته لم يكتفِ. لقد كان يهتمّ بأدقّ التفاصيل: عَلَم الحركة وألوانه، شعاراتها، موقعها على الانترنيت، مكاتبها وهيكليتها التنظيمية، انتخاباتها وقد أصرَّ على تطبيق مبادئ الديمقراطية فيها ولَو أنها ما زالت في مرحلة تأسيسية. فكان حضوره يمثّل "ضميرا" في جسم الحركة وقد سعى ناجحاً الى نشر هذا "العناد الديمقراطي" في أوسع شرائحها.

المحطة الثانية كانت انتفاضة الاستقلال.

كعادته، لم يتأخّر هذه المرَّة أيضاً عن الساحة. حتى لتحسَبَ أن هذه الانتفاضة هي انتفاضته الشخصية.

فمنذ اليوم الأول، عشيّة اغتيال الرئيس الحريري وقبل دفنه، تلقَّف بسرعته المعهودة، نداء "انتفاضة الاستقلال" ليباشر التحضير لوضعه موضع التنفيذ. لقد قرأ بسرعة خطورة الحدث وانتقال النظام الأمني الى مرحلة جديدة من البطش والاجرام وقرَّر أن الوقت ليس للتنظير وراء المكاتب وتبادل الأفكار ببرودة وسلبية، أو حتى لتدبيج المقالات أو لبكاء الشهيد ورفاقه. إنه وقتٌ للعمل، قال. وانطلق الى الساحة ينظّم صفوف المعتصمين ويدعوهم الى الاستعداد لمواجهة طويلة ستسدعي منهم الجهد والوقت والصبر والنشاط. ببساطة طالبهم بالبقاء هناك وعدم العودة الى منازلهم. فوصَل الليل بالنهار متابعاً وضع الشباب المنتفض. حاجاته والاستعدادات. اهتم بالاتصالات والخيم والامدادات والتجهيزات والمنبر و الأغاني والهتافات والأعلام.. تابع كل ذلك بشغف العاشق للحريّة، المؤمن بقضيته دون حساب.

فكنتَ تراه آخر الليل، مفترشاً الساحة بين الشباب، مُنهَكاً ولكنه فخورٌ كان بما يراه، غير مصدّق هذه الأعجوبة، على حد تعبيره، المتحقّقة يومياً دون افتعال.

ولم ينسَ في تنقّله، على مدار الساعة، بين مكتبه في "النهار" و"ساحته" قربها ومكتب اليسار واجتماعات المتابعة، أن يترك لخياله العنان في ابتداع الأفكار وتنفيذها فوراً ودون تردّد. فكان شال المعارضة باللونين الأحمر والأبيض، وكان شعار الانتفاضة "05 استقلال"، وكانت الأعلام، والمنصّة، والتجهيزات الصوتية، وكان الاتصال بجميع وسائل الاعلام المحلية والعربية والعالمية، وكان تجهيز موقع الانترنت والعمل على إطلاقه. وكان برنامج فني يومي... وكانت صور القادة الأمنيين في أيدي الشباب المنتفض كسراً لوهرة نظام أمني غاشم...

وفوق كل ذلك كان ظهوراً إعلامياً شبه يومي وتنظيم ظهور اعلامي لآخرين لساعات من البث الفضائي الذي نقل الانتفاضة الى العالم.

كل ذلك، ألم يكن كاف لجعله هدفاً للإغتيال؟!

نزيه درويش

سـمـيـر    النشاطات     الـمـقـالات

 

 

 مِن مقــــالات الشهيد سميـــر قصـــيـــر

سـمـيـر    النشـاطـات 

 


كتّـاب الموقع